شهاب الدين أحمد الإيجي

287

فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل

وأمّا وقعة صفّين ، فقال القرطبي : إنّ معاوية لمّا بلغه مسير أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام إليه من العراق ، خرج من دمشق حتّى ورد صفّين في النصف من المحرم ، فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ وقرب الماء من الفرات ، وبنى قصرا لبيت ماله ، وكان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات ، ولم يكن ثمّ مشرعة سواها للواردين والواردات ، فمنعت عليا رضى اللّه عنه إيّاها ، وحمتها عنه « 1 » تلك الكماة « 2 » ، فذكّرهم بالمواعظ الحسنة والآيات ، وحذرهم بقول النبي صلّى اللّه عليه وآله في من منع فضل ماء بالفلاة ، فردّوا قوله وأجابوه بألسنة الطغاة ، إلى أن قاتلهم بالقواضب والسمهريات « 3 » . فلمّا غلبهم عليها أباحها للشاربين والشاربات ، ثم بنى مسجدا على تلّ بأعلى الفرات ، ليقيم مدّة مقامه فرائض الصلوات ؛ لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين من الدرجات ، على ما ثبت في الصحيح من رواية ابن عمر وغيره من الصحابة العدول الثقات . وحضرها مع عليّ جماعة من البدريّين ، وممّن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيّين . وكان مع عليّ عليه السّلام رايات كانت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في قتال المشركين ، وكان مقام علي عليه السّلام ومعاوية بصفّين سبعة أشهر ، وقيل : تسعة ، وقيل : ثلاثة أشهر ، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا ، وقتل في ثلاثة أيّام من أيّام البيض - وهي ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة - ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين ، وذكره الثقة العدل أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين الكسائي الهمداني ، وهي ليلة الهرير ، جعل يهرّ بعضهم إلى بعض ، والهرير : صوت يشبه النباح ، لأنّهم تراموا بالنبل حتّى فنيت ، وتطاعنوا بالرماح حتّى اندقّت ، وتضاربوا بالسيوف حتّى انقضت ، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض ، قد كسروا جفون سيوفهم ، واضطربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد ، فلا تسمع إلّا غمغمة القوم ، والحديد في إلهام ، فلمّا صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة ، ثم

--> ( 1 ) . حمى الشيء يحميه : دفع عنه ، ومنعه عن غيره . ( 2 ) . الكماة : جمع كميّ ، وهو المتستّر بسلاحه من درع وبيضة ما شابههما . ( 3 ) . السمهريات : جمع سمهرية ، وهي الرماح الصلبة ، منسوبة إلى سمهر ، اسم رجل كان يقوم الرماح .